رمادٌ يُستدفأُ بهِ
كومةُ الحطب التي كانت تُترع بالماء كل شتاء ثم تلتحفُ الهواء القارس لتُعيرنا ما جفّ من أجزائها نوقدُ بها نار بيتنا الطينيّ ، فتحيطنا بألسنتها الدافئة ، وتتوسطُ مسامراتنا دون أن نخشى آذانها ؛ انتقلنا بها داخل كوّة في بيت المدينة الصاخب وأُحيطت بالخضرة من كل مكان -علّها تتذكرُ ماضيها – . لكن ما لبثت أن جاورت خزائن النفط حتى أحالت دواخلُنا رماداً لا يهدأ . إقرأ المزيد…
دورة التدوين يوم أن تبدأ ولا .. تنتهي
دورة الماء في الحياة ابتداءً بمرحلة التبخر؛ سواء كانت من بحر أو نهر أو حتى من فوهة إبريقك الخاصّ ،مروراً بتجمع الغيوم وحلكة السماء وتلاصق الخزائن الممتلئة والتي ماتلبثُ أن تنهمر بماء زلال لتنتهي مسيرته بين حبيبات التراب ،حتى تسارع المخلوقات كلّها بلا استثناء ترتشف من هذا المعين ،تدخِّر منه ، تتنفس الصعداء،لتنتج وتعطي وتبدأ هي دورتها في الحياة والتي تختلف من كائن لآخر ومن طبيعة لطبيعة . إقرأ المزيد…
بقعةٌ ذات شأن
ليسا سوى بابين ..
إلا أن بينهُما بقعةٌ دَلَقها كأسٌ على العتبةِ ومضى .
لتبقى الروح في وَجل ؛
أتمكث تزيل ما انسكب ..
أم تسابقه لتوجِّه انسكابَهُ إلى مرتع ذي قَحَط ؟!
قَلْبُكَ .. كُلَّهُ لَكَ
في كتابة رائعة لخيرية السقاف بعنوان “منك ..ما الذي لك ..؟” تقول في ناصيتها :
نتفكّر..
نتفكر في أشيائنا
نحبها
وأقرب الأشياء لك ، أبعد الأشياء عنك
قلبُكَ في جوفك
معاناة أن تحصد عدد نبضاته دون أن تحاصر وريدك ليفضي لك بعددها في دقيقة عبأتها بأنفاسكَ لكنها من حيث كانت لك ، انتهت عليك
في ميزان أن تكون ملأتها بما يبقى أو فرطت فيها فيما ينتهي !!
تقول ـ لله درُّها ـ : “معاناة أن تحصد ” !!
أيُّ شيءٍ هذا القلب!!
أي شيءٍ هو لأن نتوق لحصد غراسه؟!
أيُّ شيءٍ هو لأن نستجمع القوة برمتها لأن نجتبي ما تحتهُ ؟!
أيُّ شيءٍ هو .. أيُّ شيء ؟
غَيْمَةُ قُزَح..
يَبْلُغُ المَرْءُ مَدَى ضعْفٍ جِبِليّ لايوشِكُ أَنْ يُودِعَهُ لِيَعْتَليَ جَبَلاً مِنْ القُوَةِ وَالإِنْجَاز ، وَبَيْنَ هَذِهِ وَتِلْك تَتَرَادَفُ الحَال ..
وَالكَيّسُ الفَطِنْ مَنْ اسْتَلْهَمَ الأَمْر وَاسْتَغَلَ كُلّ مَوْقِفٍ بِما يُنَاسِبُهُ مُحاوِلاً الإِنْتِقال مِنْ كِلَيْهِمَا بِحَرْفََنَةٍ وَفَنْ !
وَلايَقِفُ هُنا فَحَسْب بَلْ يُبَادِرُ إِلى رَصيدَهُ فَيَعْمَلُ عَلى مَلأهِ بِالنَافِعِ الذي يَزيدَهُ عَقْلاً إِلى عَقْلِهِ ، بِحَيْثُ يُسَرِّع عَمَليةُ الإنتِقَال وَلايُثقلُ الجَسَد بِمَزيدِ ثِقَلْ مُتَمَثِلاً سَنَامَ القَوْلِ:
إذا هبّتْ رياحُكَ فَاغْتَنِمْهَا *** فََإنّ لِكُلِ خَافِقَةٍ سُكُونُ إقرأ المزيد…
تَبَاريحٌ وَتَبَاريْكٌ تَفْغَرُ فاه أيامنا هّذِهِ !
سقف هذه الكلمات تلت أياماً لشهر فضيل تندب فيه كثرة الأعمال من ذكر وصلاة وصيام وذروة السنام وجليلها فريضة الحج ، كُثُرٌ هم من أدّوها؛ وما يثلج الفؤاد أن تطيش أفئدة الأطفال أيضاً نحو تلك العبادات حتى تلك اللحظة التي يتناقرون فيها الأنظار والخراف تُنحر وعلى عليّة السور قطٌ يموء ، وخلفهُ امرأةٌ أنظارُها تطرق الباب تتلحف التعفف خشية أن تمُّد اليد فتتساقط المروءة كالتي نثرها جارهم مع قطرات الشحم والجلد التي كسا بها الحيّ لتبني مرآة السرف والترف التي من أجلها يُرمى قائدها في تلك البقاع !
كُلُّ عامٍ والخيرُ يكسو محيا أرواحُنا ..
أيامٌ مباركات .. وفيض من الرحمات
من فيضِ ماقد مرّ بي شذراتٌ لابن الجوزيّ يقول فيها :” الأيمُ صحائفُ الأعمال ، فخلدوها أحسن الأعمال ، الفرصُ تمرّ مرّ السحاب ، والتواني من أخلاق الخوالف” . فهذه قلادة من قلائد الذهب يرسمُ فيها طريقاً لمن أراد السفر خلال صفائح الأيام.
ومما هو جليٌ لدينا أن الوقت لهُ مداره وأهميته عند الجاهل فكيف بعاقل يعي ويدرك الأيام وأفضالها ، ويميز كيف يرجِّح الفاضل من المفضول . ونحن في هذه الأيام بين نفحات عشر مباركات أقسم بها الله عز وجل في مبتدأ سورة من القرآن حيثُ قال : (والفجر * وليال عشر) ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، يعني أيام العشر ، قالوا : يارسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : « ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشىء » .
لذا كان حريٌّ بنا أن نغتنم هكذا فرص ولا ندعها تمرُّ كمن يتراءى سراباً أمامهُ يراهُ ولا يحصل منهُ على شيء ..
إن المسلم المبارك هو من يتلمس الأيام المباركة ويحاول جاهداً أن يكبح جماح الهوى ويغلب منادي الضعف والخور ويستأنف التفتيش عن ماتطيق نفسه من أعمال سواء كان صيام أو قيام أو قراءة للقرآن أو صدقة أو صلة للأرحام ؛ فكل هذه وغيرها أعمال تناسب المقام ، وحبذا لو جمعها المرء فكانت لهُ سلماً يرتقي عليه خاصة وأن إجازتنا قد شرعت أبوابها وتوسدت الفراغ فارشة لنا 24 ساعة جعلها الله سبحانه وتعالى ملائمة تماماً لما افترضه علينا ، فلم تكن أضيق فيهلك الجسد ، ولم تكن أوسع فتملّ الروح ، هي بين بين والعاقل من كان بين البينين واللبيب تكفيه الإشارة ..
وهَاهُنا .. العشر بدأت تتقلص فلنشمرّ ساعد الجدّ ولا نكن فيها كالضيف الذي قيل عنه :
سَقَطَ الثَقيلُ مِنْ السَفينَةِ في الدُجَى ** فَبَكَى الرِفَاقُ لِفَقْدِهِ وَتَرَحَموا
حَـتَـى إِذا طَـلَعَ الصَـباحُ أَتَتْ بِـهِ ** نَحْوَ السَفينَةِ مَوْ جَةٌٌ تَتَقَدَمُ
قَـالَـتْ خُــذوهُ كـَمَا أَتَاني سَالِــمَاً ** لَمْ أَبْتَلِعْهُ لأنهُ لا يُهْضَمُ
حالٌ .. قَيْدَ المَقَال
خيطٌ رفيع
سَمَاءٌ صَافيَةٌ قَد انْجَلَى غُبَارُهَا ..
وَشَمْسٌ تَتَوَسَطُ قَارِعَةَ المَطَافْ
تَنْحَني لِأَجْلِها الرُؤوسْ ، وَتَنْكَسِرُ النَظَرَاتِ أَسْفَلَ المَظَلَات
x
مُنْتَصَفُ نَسيْج
لاتَمْتَدُّ الأَيدي مُصافِحَةً حتى تَعْلو السَمَاءَ حُلْكَةً وَتَكْفَهِّرُ بِالغُيوم
فَتَعْلو الرُؤوسُ وَيُفْغَرُ الفَاهْ
وَرَهْبَةٌ تَخْيطُ خُيوطَهَا عَلى جَسَدٍ أَغَرّ فَتَكْسوهُ قَشْعَريرَةً بِتَفَانٍ
وَكَمَا البَحْرُِ عِنْدَ الهِياجْ تُصْبِحُ العَيْنَانِ
فَإِمّا رَحْمَةٌ تَعُمُّ وَإِمّا عَذَابٌ يُطِمّ
x
آخِرُ الخَيط
“سُقْيا بَرَكَاتٍ عَمّتِ الديَارِ”
هَلَلَت بِهَا الأَرْكَانِ ..
x
خِزَانَةُ النَسيج..
قَدْ نَسَجْتُ هَذا الكِسَاء حَتى يَقِيَنا قَرَصَاتِ الشِتَاءِ ..
لِأنّ البَشَريَةِ مُنْذُُ أَنْ خُلِقَتْ وَهَذا هوَ دَيْدَنُها ..
أَلْيسَ (يَخْصِفَانِ) قَدْ كَانَتْ عَلَى عَتَبَاتِ الجَنّةِ ؟
وَ كَانَت التَوبَةُ قَرينَةً لِهَكَذا كِسَاء ؟
وَرَأسُ التَوبَةُ إِسْتِغْفَارٌ لِلْرَبِّ وَإِنَابَةُ إِلَيْهِ ؟
إِذَاً لِمَ لا نَتْرُك الخِزَانَةَ دَوْماً مُشَرَّعَةٌ أَبْوابَهَا كَمَا دَوْرَةُ المَاءِ في الحَيَاةِ
لِنَسْتَقي رَحْمَةً مِنْ رَبِنَا .. وَنَتَقيّ غَضَباً بِسَبَبِنا
الكرسي الواحد على شفا حفرةٍ من سراب!
طبيعة الإنسان التي جبله الله عليها ،دائماً ماتنبثق مع زمجرات ترددها تصرفاتهُ بحب التصدر والسلطة منذُ صغر يكتنفهُ ويتربعُ بين أحضانه. لكن بالرغم من هذا نجد أناساً يكبحون هذه الرغبة بلجام الحكمة والتريث ، رغبة منهم في أن تصقل قسوة الحياة جدران حكمتهم وتبذر على عتباتها مايمكنهم قطافهُ في شبيبتهم.
هذه الرغبة التي تكسو عالم الكل دائماً ماتزعزع كل الأركان حتى لتجدَ أحدهم يحثُّ السير في بناء عمل أو مشروع ضخم ، حتى أنه ليتراءى بين عينيه كرسي عرشه على بُعد خطوات يسيره ؛ فيبدأ يركض ويجاري وينفث خطواته الثمينه ليستفيد منها اللاحقون !
وكلما خطا خطوات أخذ من التراب الذي حوله وحثاهُ في وجوه المارة والتي ماتلبث أن تكون حفرة ينغمس بين حصواتها ، ليس له سبيل إلى الخروج منها حتى تنهار أعمدة الكرسي على مصراع العجلةِ والتسرع .
كل هذا يحدثُ ربما للكل ، لأن الفرد ينسى أن الحياة مشاركة وليست فردية وأن خير البداية ماكان مع الجماعة ثم إن شاء استقل أو انزوى قليلاً حتى يرى بعين أوسع وبُعدٍ أرحب .
نحتاج في هذه الحياة إلى التريث قليلاً وإسدال ستائر الحكمة على أضواء التصدر حتى وإن علت . ليست الجماعة ذل ، وليست الفردية عنفوان . ووجود من نجح في استقلاله ليس ميزاناً كما أن الفشل ليس ميزاناً ، لكن لنأخذ من كل طريق بباب ، فهناك من انفرد بنفسه ولكن رائحة المشاركة لابد أن تتربع بين أحضانه وإن صغرت .. أليس نخرج للحياة بين جماعات؟!
لقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن أفضل الحياة هي المشاركة لكن بطريقة الكناية وليست مباشرة ، وذلك حينما أشار إلى أن الثلاثة في السفر صحب … أوَ ليست الحياة لبُّ السفر وأصله الجاثم بين أوصالنا؟
إذاً..دعونا ننعم بجماعة وسؤدد لايضاهى كل العمر
حتى تكون لكلٍ قمتهُ ..لتكن (لا)
في خضم الحياة لابدّ وأن نقابل أجناساً مختلفة من الأشخاص ذوي الطباع المتفاوتة والإستجابات المتعددة ، لذا كان من الطبيعي أن يجعل المرء من نفسه بيئة صلبة تقف صداً منيعاً أمام التقلبات المزاجية التي قد تواجهنا خاصة من أولئك الذين لايرضون أن يطرق آذانهم إلا قول “نعم .. وهاكَ”.
هذه الفئة أغلب الأحيان تكون قد توشحت رداء السلطة والجبروت واعتلت منابر القسوة ، محاولةً أن ترسم خط النهر على خرائطها ، وفي مقابل أخذها لاتجدها أبداً تفكر بالعطاء والبذل،بل تلهث حتى لتجد أحياناً آثار لعقها على بعض أراضينا وإن كنا لانشعر بذلك ، حيثُ تعتلي متطلباتهم هالةٌ من المجهول ،تتربع في هوة سحيقة داخل سماء مكفهرةٌ بالمفردات المنمقة التي لاتملك الروح إلا الذوبان داخل أكوابها ، لأن مثل هذه التصرفات وإن كانت جبلةً في خُلُق الإنسان إلا أن الأرض لاتستطيع أن تنميها وترويها من مائها !
وبالطبع لانستطيعُ أن نرى هذه الهالة إلا إذا أضأنا جانب الحكمة والرصانة وإباء النفس في أذهاننا ، عندها لابدَّ أن نشيحَ بوجوهنا أمام طلبات هؤلاء ونقوي جانب الـ (لا) على ألسنتنا لنكسر شوكة هذا الرهط ونبني حاجزاً قوياً منيعاً لايستطيع صغارهم من بعدهم أن يتسلقوه .لأن الـ (لا) في زمن العنجهية السائر بقوة ، والمسابق لعجلة الحياة تجعل من تلك الأبنية الطينية المتكدسة داخل نفس المرء قوةً حديدية لاتستقر بداخلها الضربة بل تعيدها لنفس الإتجاه التي انطلقت منه ، ولكن بقوةٍ أشد وبتأثيرٍ أعظم.
وهذه القوة المساوية في المقدار والمعاكسة في الإتجاه والمضمون ربما تزيح الصخرة المتربعة في قعرٍ سحيق من تلك الضمائر الخامدة فيخف ثقلهم على المجتمع حتى تمطر سماواتنا كلٌ على حده .. فلماذا نشحُّ ولا نطلقها مدوية ؟
جديد التعليقات